حيدر حب الله
246
شمول الشريعة
المساحة التي لا يمكن تغطيتها بالأحكام الثابتة إلى الإنسان المؤمن نفسه وفق المعايير التي يضعها له ، وحيث إنّ البشر قد نهض بعقله فصار مستعداً لتحمّل مثل هذه المسؤوليّة وخرج عن مرحلة الطفولة ، لذا فإنّ الله يضع له الأصول وهو يقوم بالتفريع والتكميل . روح هذه المفارقة بين الخاتمية والشموليّة ترجع - كما هو واضح - إلى إشكاليّة عدم تناسق الثابت والمتغيّر ، فهذه هي الإشكاليّة المركزيّة في موضوع الثابت والمتغيّر ، ولهذا سوف يدور حديثنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب ، وما بعده ، حول هذه القضيّة ، حيث طرح المفكّرون المسلمون معالجات لفكّ هذه الاستحالة ، وأثبتوا - من وجهة نظرهم - إمكانات التناغم والتناسق بين الثابت والمتغيّر ، وستكون لنا وقفات مطوّلة مع محاولاتهم هذه . ولهذا ، سنترك البحث في التعليق عن هذا الكلام إلى الفصل اللاحق وما بعده ، حيث سيتضح بشكل جليّ الموقف من هذه الإشكاليّة المحوريّة . 7 - 3 - 2 - من الاستقراء وطبائع الأشياء إلى ( لو كان لبان ) أقصد بهذا الاستدلال الذي أشير إليه هنا إشارةً ، وسوف نقف معه لاحقاً في ثنايا الفصل الثاني والثالث بإذن الله ، أنّ استقراء النصوص القرآنيّة والحديثيّة ، يجعلُنا على قناعة واضحة بعدم شموليّة الشريعة ، لو أردنا أن نكون محايدين وصادقين مع أنفسنا وتاركين لأيّ فرضيّة مسبقة ، وأنّ الشموليّة جاءت من تقعيدات الفقهاء وقوانينهم الشموليّة في الاستدلال ، فلو تركنا وأنفسنا وأردنا دراسة نصوص الدين الأصليّة ، خاصّة على مستوى الكتاب الكريم ومتواتر السنّة الشريفة لمن لا يؤمن بأخبار الآحاد - بعيداً عن التجربة الفقهيّة نفسها حاليّاً - لما رأينا عيناً ولا أثراً للكثير الكثير من مستحدثات المسائل ، كأحكام الفضاء ؛ والبيئة بمعناها الواسع ؛ والتجنيد الإجباري وقوانينه ، وقوانين الاستيراد والتصدير ، والنظام الضريبي المعاصر خاصّة مثل الجمارك والعقارات وغيرها ، وقضايا الطبّ وما فتحه تطوّره على أمور من نوع بيع الأعضاء والوصيّة بها ، أو التلقيح الصناعي ، أو الهندسة الوراثيّة أو تأجير الرحم ؛ وأسلحة الدمار الشامل بأنواعها ؛ وقوانين العمل الحديثة الملزمة للعامل وربّ العمل معاً ، وقوانين تسجيل المعاملات والوثائق الثبوتيّة في الدوائر الحكوميّة ، والإسراف في استهلاك طاقات وخيرات الأرض ؛ وقضايا النموّ السكاني وعلاقته بالتنمية وتنظيم النسل والتعقيم ؛ والتقنيات